vendredi 17 juin 2011

how Gender must not be taught in the Arab World

كيف يجب ألاّ نَدْرس النوعَ الاجتماعيّ ("الجندر") في العالم العربيّ

لعلّ من أهمّ إنجازات العقود الأربعة الماضية في حقل الدراسات الشرق أوسطيّة هو بروزُ محاولاتٍ جادّةٍ عدّة لدراسة مسألة المرأة في العالمين العربيّ والإسلاميّ، وإنتاجُ تواريخ للحركات النسائيّة المختلفة على امتداد هذه المنطقة الثقافيّة والجغرافيّة الواسعة، وتأريخُ بروزِ تعليم النساء، ونهوضِِ الجماعات السياسيّة والثقافيّة، والإعلام النسائيّ، وعلاقة النساء بالدين، ووضعِ النساء في القانون (الوضعيّ فضلاً عمّا تُساء تسميتُه في الغرب بـ "القانون الإسلاميّ"). وثمة اهتمامٌ أيضًا، ولكنْ أقلّ شأنًا، بمواضيع النساء والصحّة، والنساءِ والعمل، والنساءِ ورأس المال، وبكثيرٍ غيرها.
وفي حين كان للتركيز على موضوع المرأة في العالم العربيّ خصّيصًا سوابقُ استشراقيّةٌ واستعماريّة، وسوابقُ محلّيّةٌ وطنيّة وليبراليّة فكريّة منذ بدايات القرن التاسع عشر، إنْ لم يكن منذ عصر التنوير الأوروبيّ، فإنّ تركيزًا مختلفًا أخذ في الانبثاق منذ أوائل السبعينيّات، محاولاًً النقدَ والتعاملَ مع التصويرات الاستشراقيّة الاستعماريّة للنساء العربيّات والمسلمات والتصويرات الليبراليّة والقوميّة المناوئة للاستعمار على حدٍّ سواء. فقد شهد عقدُ السبعينيّات جهودًا رائدة للمفكّرة المصريّة نوال السعداوي في التعاطي مع هذه المسألة: إذ قامت بتحليل الحركات النسائيّة الغربيّة ونقدِها، وبتحليل النقد النسويّ الغربيّ ونقدِه أيضًا؛ وفعلت الأمرَ عينَه مع التواريخ الكولونياليّة والقوميّة، وتلك التي طاولتْ أيضًا تصويراتِ النساء المحلّيّة والمبرِّرةَ لوضعهنّ. وقد كانت كتاباتُ الباحثة الأكاديميّة المغربيّة فاطمة المرنيسي، المعاصرةُ لكتابات السعداوي، قد استخدمت اللغةَ الأكاديميّةَ الغربيّةَ في تركيزها على دراسة نساء العالم العربيّ والإسلاميّ، وتوجّهتْ فيها إلى جمهور غربيّ عبر كتبٍ وأبحاثٍ تنتقد المفاهيمَ الغربيّة غير أنها تعيد إنتاجَ التعميمات الاستشراقيّة والإپستمولوجيّات الأوروبيّةِ المرْكزِ في تحليلها للمجتمعات العربيّة والمسلمة، التي تختزلها المرنيسي في كثيرٍ من الأحيان بعضَها في بعض.
ولكنْ، مع بزوغ عقد الثمانينيّات وما بعده، اختلف الوضع. ويعود ذلك إلى مأسسة تصنيف “النوع الاجتماعيّ” (وتعريبُه في مصطلح "الجندر" غيرُ موفّق) لا في الخطاب الأكاديميّ داخل الجامعات الغربيّة فحسب، بل في انتشاره أيضًا لدى أصحاب القرار في عدد من الدول الغربيّة، وفي مقدّمتها الولاياتُ المتحدة، ومن ثم في فرْض هذا التأويل الخاصّ للعلاقات الإنسانيّة على العالم ككلّ، وذلك من قِِبَل الأمم المتحدة وأذرعها وفروعِها الأخطبوطيّة، لاسيّما في حقل “التنمية.” أما الوكالاتُ الغربيّةُ الأخرى “للتنمية” وفروعُها المحلّيّة، ومنظّماتُ حقوق الإنسان الغربيّة وفروعُها المحليّةُ أيضًا، فهي ليست كلُّها متمسّكة بتلك التعريفات الغربيّة للحقوق والبنى الاجتماعيّة فحسب، بل متمسّكة أيضًا (وهذا أهمّ) بسياسة تعميم هذه التعريفات كونيّاً، وإعادةِ إنتاج العالم على شاكلة أوروبا في وصفها النموذجَ الأوحدَ الممكنَ والقابلَ للحياة من أجل إنهاء أشكال الظلم الممأسس على "الجندر."
مؤخّرًا بدأ العملُ الأكاديميّ على مسألة "الجندر" يركّز على الرجال والذكورة، لا على النساء والأنوثة فحسب. وهذا تغييرٌ مهمٌّ ومرحَّبٌ به، ولاسيّما أنه يتجنّب الاختزالَ السابقَ للنساء على أنهنّ "الجندرُ" بذاته. ومع ذلك، مازالت أبحاثُ النوع الاجتماعيّ في العالم العربيّ تركّز على أشكال "نموذجيّة" محدّدة من الجرائم النوعيّة، و"تُجوهِرُ" (essentialize) ما تسمّيه "الذكورةَ العربيّة" و"الأنوثةَ العربيّة" بوصفهما مفهوميْن مجمَّديْن واضحَي المعالم. أما أهمّ تلك الجرائم ــ وهي تُعرض في خطاب الظلم "الجندريّ،" سواءٌ في وسائل الإعلام الغربيّة أو الخطاب الأكاديميّ، وكأنَّها من "اختصاص" العرب والمسلمين ــ فهي الحجابُ (أو بعضُ أشكاله)، وجرائمُ الشرف، وختانُ النساء أو ما يُعرف بـ "تشويه أعضاء الإناث الجنسيّة" (Female Genital Mutilation-FGM). ويضاف أحيانًا إلى هذه الجرائم العربيّة والمسلمة المزعومة مفهومُ "البطريركيّة" العربيّة أو المسلمة، و"خصوصيّةُ" التمييز ضدّ النساء اللواتي يعشن تحت وطأة "القانون الإسلاميّ،" وغيرُ ذلك كثير. وقد نشأتْ "صناعةٌ" ضخمةٌ من المنظمات التابعة للأمم المتحدة، مثل برنامج الأمم المتحدة للتنمية (UNDP) ولجنة الأمم المتحدة الاقتصاديّة والاجتماعيّة لغربيّ آسيا (ESCWA)، وتقارير التنمية البشريّة العربيّة. تضاف إلى ذلك منظّماتٌ غيرُ حكوميّة غربيّة، ومموَّلة غربيّاً، تسعى إلى "المساعدة." وهذه المنظّمات قد طَفحتْ بها البلادُ العربيّةُ والمسلمة، وبمكاتبها التي لا تُحصى، وبسياساتها "التنمويّة" التي تتطلّب استصدارَ كميّاتٍ هائلةٍ وغيرِ مسبوقة من المعلومات من أجل استنباط سياساتٍ مبنيّةٍ برمّتها على مقاربات أوروبيّة وأورو ــ أمريكيّة، وبخاصّةٍ المقاربة الداروينيّة الاجتماعيّة التي تؤكّد أنّ غيرَ الأوروبيين يعيشون في مرحلة الطفولة من التنمية، وأنّ الأوروبيين والأمريكيين من أصولٍ أوروبيّة، والذين يُفتَرض أنهم راشدون ــ ممثَّلين من قِبَل المنظّمات غير الحكوميّة ــ سيساعدونهم في الوصول إلى مرحلة النضج عبر "التنمية" التي تتضمّن في أغلب الأحيان مفاهيمَ مالثوزيّة (Malthusian) عن تحديد النسل وعددِ السكّان، وتُفْرَض عادةً على حساب النساء “من أجل مصلحتهنّ.”
أما المقاربة الغربيّة الثانية، أي الأخرويّة الجذريّة (radical alterity) فلا تتبنّاها إلاّ المؤسّساتُ العسكريّةُ الغربيّة. وهي مقاربةٌ ترى أنّ غيرَ الأوروبيين مختلفون عن الأوروبيين والأمريكيين (المسيحيين والبيض بجوهرهم) إلى حدِّ أنّ تدمير بنيتهم التحتيّة التي تُحافِظ على مجتمعاتهم "المتخلّفة" و"المضطهِدة" قد يَدْفع بهم إلى الحداثة الغربيّة، "المُتّسِمةِ بالمساواة والعدالة،" ويهيّئهم لاستقبال "الخدمات التنمويّة" التي ستقدّمها إليهم المنظّماتُ الغربيّةُ غيرُ الحكوميّة والتي هُمْ في أمسّ الحاجة إليها. وهنا يأمل التدميرُ الهائلُ وشبهُ الإباديّ للعراق وأفغانستان، من طرف الولايات المتحدة وحلفائها، في جني الفوائد والنتائج "التنمويّة" عينِها التي تسعى المنظّماتُ الغربيّةُ غيرُ الحكوميّة إلى جنْيها لبلاد العالم الثالث الأخرى عبر طرقٍ أقلّ عنفًا. فإذا كانت إيديولوجيا “التنمويّة” تروَّج ــ عبر إستراتيجيّاتٍ اقتصاديّةٍ واجتماعيّةٍ قد تكون نتائجُها وآثارُها عنيفةً من خلال تدمير فعّاليّات المجتمع المدنيّ المحليّ لإقامة مجتمعٍ مدنيٍّ آخر مدعومٍ ومُشَكَّلٍ ومُموَّلٍ ومُلهَمٍ من قِبل الإستراتيجيّات الغربيّة، وعبر إعادة تنظيم العلاقات الاجتماعيّة المحلّيّة لتحاكي النموذجَ الغربيّ (نموذجَ الولايات المتحدة مبدئيّاً، "الخاليَ" زعمًا من أيّ اضطهاد) ــ فإنّ مقاربة "التنمويّة" تختلف عن سابقتها في درجة العنف الذي تَفْرضه على المجتمعات النامية: ففي حالة الأخرويّة الجذريّة تنقسم التنميةُ إلى مرحلتين، تُستَهَلّ الأولى بالاجتياحات العسكريّة وتقويض المجتمع، تمهيدًا للمرحلة الثانية وهي وصولُ المنظّمات غير الحكوميّة للشروع في عملها "التنمويّ" من أجل دفع المجتمعات إلى "الصراط" الغربيّ المستقيم.
والحقّ أنّ انتشارَ هذه المنظّمات غير الحكوميّة وخطابِ "التنمية" الغربيّة قد أدّى إلى نتائجَ وخيمةٍ على نشاط المجتمع المدنيّ العربيّ، لاسيّما أوساطه المعبّأة (mobilized). فالمنظّمات المذكورة لا تكتفي بتسريح (demobilize) الأوساط بحسب خططها، بل تُحِلُّ أيضًا مكانَها طاقمًا جديدًا من "الخبراء" المحلّيين والغربيين المموَّلين غربيّاً برواتبَ خياليّة، بحيث يُحَوَّل الخبراءُ المحلّيون من نشطاءَ اجتماعيين في المجتمع المدنيّ إلى منفِّذين للتنمويّة الغربيّة، أو قد يوظَّف مكانَهم طاقمٌ جديدٌ كلّيّاً يكون أكثرَ تفهّمًا للمناهج الغربيّة في التنمية. وبالإضافة إلى هذا، فإنّ المنظّمات غير الحكوميّة تُنتج خبراءَ محلّيين يُمْكنهم التعبيرُ عن المسائل التنمويّة في المجتمع بلغة الحقوق والأكاديميا الغربيّة التي تستقيم تمامًا مع الخطاب السائد. ولقد عَلّقتْ عالمةُ الاجتماع والنسويّة الجزائريّة مغنيّة لزرق على هذه الظاهرة في ما يخصّ النساءَ، قائلةً: "إنّ السؤال عن مدى ارتكاب [هذه النساء العربيّات] العنفَ ضدّ النساء اللواتي ينصّبن أنفسَهنّ في مركز السلطة عليهنّ كي يكتبن عنهنّ ويتكلّمن بالنيابة عنهنّ لهو سؤالٌ لا يُطرح إلاّ نادرًا."1
إنّ الدور الرئيسَ للمنظّمات غير الحكوميّة التي ترتدي قناعَ المجتمع المدنيّ هو توليدُ المعلومات وتجميعُها. وإنّ إنتاج المعلومات، التي يُمْكن إدراجُها في الجداول الإحصائيّة لتلك المنظّمات، لا يتطلّب فقط أن تكون هنالك تصنيفاتٌ فكريّةٌ ومجتمعيّةٌ جديدة كي يكون للمعلومات (Data) المولّدة معنًى قابلٌ للتعقّل، بل أيضًا كي تُنتجَ تلك المعلومات أصلاً ومن ثم كي تُترجَم وتؤوَّل. يجب أن نوضح أنّ عمليّات الإنتاج والترجمة والتأويل ليست بالضرورة خطواتٍ متتابعةً بل هي في الحقيقة متزامنة، إذ إنّ كلاً من هذه العمليّات يَفترض الأخرى تحت لواء الدمج. فلو افترضنا مثلاً أنّ تغطيةَ شعر المرأة يعبّر عن "تقييد" خيارات المرأة في اللباس لا عن توسيعها، فستكون "المعلوماتُ" التي جُمّعتْ عن عدد النساء المحجّبات في مجتمع عربيّ أو مسلم ما قد أُنتجتْ وتُرجمتْ وأُوِّلتْ مسبّقًا بحسب الاعتبار الإپستمولوجيّ الأصليّ الذي يرى أنّ الحجاب "يقيِّد،" ومن ثم الحكمُ السياسيُّ بأنه "يميِّز" ضدّ النساء. وكيف لنا، كمثل آخر، أن نَجْمع معلوماتٍ عمّا إذا كانت جنسانيّةُ الناس "مضطهَدة" إنْ كان مفهومُ "الجنسانيّة" أصلاً غيرَ معروف عند الأغلبيّة القصوى من الناس بوصفه تصنيفًا إپستمولوجيّاً وأنطولوجيّاً يقال إنه يُكوِّن الهويّة؟ وكيف لنا أن نحلّل "تشويهَ أعضاء الإناث الجنسيّة" (FGM) في مجتمعٍ يساوي في طقوسه التراثيّة بين الختان والطهارة لدى الذكور والإناث ويُطْلق عليهما الاسمَ نفسَه؟ وأما السؤال المرتبط والكاشف الذي يُطرَح هنا أيضًا فهو: لماذا يُعتَبر ختانُ الإناث عنيفًا ولاإنسانيّاً في الخطاب "الجندريّ" التنمويّ، ولا يُعتَبر نظيرُه، أيْ ختانُ الذكور، كذلك؟ هل يمكن أن تكون هيمنةُ ممارسة ختان الذكور في الولايات المتحدة منذ الحرب العالميّة الثانية، ومن ثم اعتبارُها "سويّةً" و"حضاريّةً،" هي السببَ في عدم إدراجها في الخطاب التنمويّ للحكومة الأميركيّة ووكالاتِها وللأمم المتحدة وفروعِها على أنها ممارسةٌ تراثيّةٌ مرعبة، وهو الوصفُ المقتصِرُ على ختان الإناث فحسب؟ بالطبع يتمّ تقديمُ حجج مقْنعة في العادة تنصّ على أنّ تأثيرات الختان الجسديّة مختلفةٌ في حالتَي الذكور والإناث، وهو ما يفسِّر الرعبَ من تأثيرات الختان على الأخيرات. ولكنّ ما تصرّ هذه الحججُ (المبنيّةُ على حقائقَ طبّيّة لا جدالَ فيها) على تجاهله هو أنّ ختانَ الإناث يتمّ من دون موافقتهنّ، وهذه هي الحجّة الأساسية التي تتبنّاها المنظّماتُ المحارِبةُ لختان الإناث في نشاطها السياسيّ، في حين أنّ هذه الحجّة تنطبق أيضًا على الذكور عند ختانهم (وإنْ كان لتأثير الختان عليهم نتائجُ أقلُّ سوءًا)! لستُ هنا بصدد إصدار نداءٍ للمنظّمات غير الحكوميّة الغربيّة لتنطلقَ بحملاتٍ في العالم العربيّ (وفي الولايات المتحدة) من أجل "إنقاذ" الذكور من الختان، بل أشير إلى أجندات هذه المنظّمات ومفاهيمِها عن "السَّويّة" التي تدفعها إلى التدخّل في شؤون المجتمعات غير الغربيّة، معتمدةً دائمًا على ما يعتبره مجتمعُ الطبقة الوسطى الأبيضُ الپروتستنتيُّ في الولايات المتحدة سويّاً وحضاريّاً. فهذه هي المنظومة الثقافيّة التي تتبنّاها المنظّماتُ المذكورةُ وتصرّ على نشرها في طول الكرة الأرضيّة وعرضها.
لقد كتبت المنظّرة الهنديّة جاياتري تشاكرافورتي سپيفاك مؤخّرًا أنّ "فكرة حقوق الإنسان... قد تحْمل في طيّاتها أجندةَ نوعٍ من الداروينيّة الاجتماعيّة ــ [تقول بأنّ] الأفضل سيحْملون عبءَ تخفيف الأذى عمّن هم أقلّ أفضليّة ــ وإمكانيّةَ وجود عذرٍ للتدخّل السياسيّ والعسكريّ والاقتصاديّ." وإنّ مشاركة الطبقات الوسطى في بلدان العالم الثالث في العمل التنمويّ، وبخاصّةٍ في ما يتعلّق بـ "حقوق الإنسان،" لهي غايةٌ في الأهمّيّة. فكما أوضحتْ سپيفاك، في حالة عمل المنظّمات غير الحكوميّة في المناطق الريفيّة في العالم الثالث، فإنّ الطبقة الوسطى المحلّيّة،
"على الرغم من حضورها الجسديّ في الجنوب [جنوب العالم]،... ليست ذاتَ صلة، بشكلٍ عامّ، بطريقة تفكير...الفقراءِ من أهل الريف الواقعين تحت مستوى [رادار] المنظّمات غير الحكوميّة. فلكي يُقدَّم مشروعٌ لمدّ المساعدات من الشمال، على سبيل المثال، ولكي يفهَم ويُعبِّر عن مشكلةٍ ما بشكلٍ عقلانيّ ومقْنعٍ ومفهومٍ لدى ذائقة [أهل] الشمال، فذلك هو في حدّ ذاته إثباتٌ على انعدام تواصلٍ معرفيّ ما مع فقراء الريف المفتقرين إلى التعليم (ونحن هنا لا نتحدّث عن أنماط التعليم التي تُمكّن فقراءَ الريف من تقديم طلباتٍ واقتراحاتٍ للإعانة من المنظّمات غير الحكوميّة!)."2
***
عندما يتعلّق الأمرُ بدراسة "الجندر" في العالم العربيّ يمْكننا استخلاصُ الشَّرَك الذي يقع فيه هذا النوعُ من البحث في ثلاث مقاربات هي: المقاربة الثقافويّة، والمقاربة التقارنيّة، والمقاربة الدمجيّة. وسأحلّل كلاً منها على حِدة.
1- المقاربة الثقافويّة (Culturalism): هي المقاربة العامّة التي تتّبعها وسائلُ الإعلام الغربيّة، والكثيرُ من التحليلات الأكاديميّة الغربيّة والعربيّة، بحيث إنّ أيّ مظهرٍ من مظاهر انعدام المساواة بين الجنسين في المجتمعات العربيّة والمسلمة يُختزل في أسبابٍ وتفسيراتٍ ثقافيّة. وينطبق هذا على الجرائم والقيود الرئيسة التي يُزعم أنها تُمارَس ضدّ النساء، ومنها: الحجابُ، وتشويهُ أعضاء الإناث الجنسيّة، وجرائمُ الشرف. وينطبق ذلك أيضًا على مفهوم “البطريركيّة” العربيّة أو المسلمة التي يُزعم أنها تتمظهر في الـ "ذكورة العربيّة" وفي الطبيعة الاضطهاديّة لـ "القانون الإسلاميّ."
وهنالك مظهرٌ آخر للثقافويّة، وهو تقديمُ القيم الغربيّة المعاصرة على أنها "عابرةٌ للتاريخ" ــ بحيث ينبغي على المجتمعات العربيّة والمسلمة في "القرون الوسطى" أن تنسجمَ تمامًا مع الحُكْم والقيم الغربيّة والمسيحيّة الحديثة وأن تخضعَ لتقييمها؛ فإنْ فشلتْ في الانسجام مع هذه الرؤية الفانتازيّة التي تَمْلكها المجتمعاتُ الغربيّةُ الحديثة لها، فسيُخضعها ذلك لحكْمٍ أخلاقيّ غربيّ صارم. وهكذا يُدان زواجُ الرسول محمّد من عائشة الصغيرة السنّ في الدراسات الاستشراقيّة، وهي دراساتٌ تغْفل أنه حتى القرن السادس عشر (أيْ بعد ألف عامٍ من عهد الرسول)، كانت الفتياتُ في أوروبا يُُزوَّجن في سنّ عائشة!
ولنأخذْ مثالاً آخر في التهجّم على الإسلاميين لكونهم جنسويين (أيْ يمارسون التمييزَ الجنسيّ) ــ وكثيرٌ منهم كذلك بالفعل، شأنهم شأن نظرائهم في معظم التوجّهات السياسيّة الأخرى ــ ولكون الأحزاب الإسلاميّة السياسيّة محطَّ معارضة لأنها ستميِّز ضدّ النساء إنْ وصلتْ إلى السلطة. الحقّ أنّ هذا الموقف سيكون بالطبع ذا صدقيّة لو كان مَنْ ينادي به يندِّد أيضًا بالعلمانيّة والليبراليّة اللتين دفعتا القوانينَ ومناهجَ الحكم المشتقّة منهما إلى التمييز الجنسيّ، منذ الثورة الفرنسيّة داخل أوروبا، وعلى امتداد عهود الاستعمار في البلاد العربيّة، بل بعد استقلالها أيضًا. فالحال أنّ معظم القوانين السارية اليوم التي تميِِّّز ضدّ النساء في معظم البلاد العربيّة المستعمَرة سابقًا، ومنها قوانينُ الجنسيّة، مشتقٌّ من القوانين القوميّة والكولونياليّة العلمانيّة والليبراليّة الغربيّة؛ ومع ذلك نُفاجأ بغياب أيّ شعارٍ ضدّ العلمانيّة والليبراليّة (اللتين تُعرَّفان بأنهما أوروبيّتان بامتياز) يصفهما بأنهما إيديولوجيّتان جنسويّتان تميِّزان على أساس النوع الاجتماعيّ. إنّ النقطة التي أودّ إثارتها هنا هي التالية: إذا كانت معارضةُ وصول الأحزاب الإسلاميّة إلى السلطة مبنيّةً على سياسات بعض الإسلاميين المتعلّقة بمساواة الجنسين (وهنا تجب الإشارةُ إلى أنّ للعديد من الأحزاب الإسلاميّة في المنطقة العربيّة سجلاً أفضلَ بكثيرٍ من الأحزاب العلمانيّة في ما يتعلّق بالمساواة بين الجنسين وتمثيلِ النساء في بناهم السياسيّة)، فلماذا إذًا لا تعارَض الأحزابُ غيرُ الإسلاميّة بالقوة نفسها ولاسيّما أنّ سجلّها في ما يتعلّق بالنساء عادةً أسوأُ بكثير؟
2 ــ المقاربة التقارنيّة (Comparativism): يعني هذا المفهوم أنّ القيم الغربيّة عابرةٌ للجغرافيا. إنها عمليّة يُتّخذ فيها الغربُ، أو على الأقلّ الصورةُ الفانتازيّةُ عنه، مرجعًا للمقارنة والقياس، فيُدرَسُ باقي العالم أو يُعرََّف بالمقدار الذي يقترب منه أو يبتعد عنه. وتقوم المقارنة عادةً مع رؤيةٍ فانتازيّةٍ إلى أوروبا والولايات المتحدة، اللتين لا تُخضع مجتمعاتُهما لتحليلٍ يتّسم بالاختزال الثقافويّ، ولا تُعتَبَر جرائمُهما ضدّ النساء إكزوتيكيّةً، بل لا تعمَّم بوصفها جزءًا من جرائم مماثلةٍ عبر العالم. ومثالاً على ذلك: عندما يَقتل رجلٌ امرأةً في الولايات المتحدة (وبحسب الإحصائيّات الأمريكيّة، الرسميّة وغير الرسميّة، فإنّ ما بين أربعين إلى ستّين في المائة من المقتولات في الولايات المتحدة يَقتلهنّ أزواجُهنّ أو عشّاقُهنّ)، فإنّ ذلك لا يُعتبر انعكاسًا لـ "جنسويّة" الثقافة الأمريكيّة المسيحيّة البيضاء التي "يجب تحليلُها ثقافيّاً،" ولا مجرّدَ جزءٍ من ظاهرةٍ عالميّةٍ (ثقافيّةٍ أو غير ثقافيّة) من العنف ضدّ النساء، ولا يخْضع لبرامج تلفزيونيّةٍ وحملاتٍ إعلانيّة تشدِّد على "الطابع الثقافيّ" للجريمة، ولا يُدرَج في خانة "جرائم الهوى" (Passion Crimes) أو "جرائم الشرف." ثم إنّ الأمم المتحدة لا تشنّ حملاتٍ ضدّه، ولا تتدخّل المنظّماتُ العالميّةُ غيرُ الحكوميّة لوقفه (مع أنّ مجموعاتٍ نسائيّة أمريكيّة تعير الموضوعَ اهتمامًا عاليًا، ولكنْ من دون أن تَستخدم لغةً ثقافويّة، بل تصرّ عادةً على أنّه يتناقض مع الثقافة الأمريكيّة التي يُزعم أنها مؤسَّسة على المساواة). كما أنّ هذه الممارسات والإحصائيّات لا تتمّ مقارنتُها بـ "جرائم الشرف" في بلدٍ كالأردن، حيث خمسة وعشرون في المائة من القتيلات في كلّ عام يقتلهنّ رجالٌ من عائلاتهنّ ــ وهذه أعلى نسبة لهذه الجريمة في المنطقة العربيّة، وإنْ كانت أقلَّ من نسبة القتيلات على يد أزواجهنّ وعشّاقهنّ في الولايات المتحدة كما ذكرنا. ومع ذلك، فثمة تغطية إعلاميّة غربيّة عالية، واهتمامٌ نشطٌ جدّاً، من طرف المنظّمات غير الحكوميّة والأبحاث الأكاديميّة في حالة الأردن، وبخاصّةٍ في الولايات المتحدة، من دون أن تُعقد مقارناتٌ بالجرائم ضدّ النساء في أوروبا والولايات المتحدة (بل على العكس تُعقد مقارناتٌ بحالة النساء في الغرب لتبيّن أنهنّ "في أمان" من هذه الجرائم البربريّة). وربّ قائلٍ إنّ الوضع في الولايات المتحدة قد تغيَّرَ منذ الثمانينيّات على الأقلّ، حين ألغيت القوانينُ التي كانت تحمي الرجالَ من مرتكبي هذه الجرائم ضدّ النساء (على الرغم من استمرار الجريمة نفسها، وبالنسب العالية التي أشرنا إليها مسبّقًا)، بينما تبقى هذه القوانين ساريةً في الأردن. ولكنْ إنْ كان الوضعُ كذلك، فإنّ الدراسات والأبحاث والتغطية الإعلاميّة الغربيّة لا تدين، عادةً، الحكومة أو النظامَ في الأردن اللذين يسْمحان بهذا القانون، المشتقِّ أصلاً من القوانين الناپوليونيّة، بل تدين الثقافةَ العربيةَ و"الإسلام،" على الرغم من أنّ كلّ المدارس الفقهيّة تدين جرائمَ الشرف وترفض منْحَ مرتكبيها ظروفًا تخفيفيّة!
أما في البلاد الغربيّة، فعندما تُستدعى الثقافة فإنها لا تُستدعى بمعناها الحضارويّ، بل على أساس مفهوم الطبقة أو المهنة. فقد يقال في الغرب مثلاً إنّ الطبقة العاملة، أو طبقة رجال الأعمال البيض والأغنياء والمتقدّمين في السنّ، تتبنّى آراءً جنسويّة، أو إنّ “ثقافتها” جنسويّة؛ وقد ترى الأبحاثُ الأكاديميّةُ أنّ ثقافة الشركات التجاريّة، أو مهنة المحاماة أو الأطبّاء الجراحين، في الغرب هي ثقافةٌ جنسويّة؛ ولكنْ يندر أن يقال إنّ الحضارة الغربيّة في حدّ ذاتها جنسويّة. أما في العالم العربيّ، فيبدو أنّ على كلّ طبقة ومهنة أن تحمل عبءَ التمثيل الثقافيّ والحضاريّ بأكمله! إذنْ، فإنّ التقارنيّة تعني، في أغلب الحالات، مقارنةَ الإخفاقات العربيّة بالإنجازات والنجاحات الغربيّة. أما الدراسات النادرة عن الإخفاقات في الدول العربيّة والغربيّة معًا، أو في دول العالم إجمالاً، في موضوع المساواة بين الجنسين، فقد فشل منهجُها في أن يسودَ في هذا الحقل الدراسيّ.
وهذه الحالة متصلة مباشرةً بالتغطية الإعلاميّة الغربيّة، بحيث تقوم المحطّاتُ التلفزيونيّة الأمريكيّة والإعلامُ الأميركيّ بتسليط الضوء على الإخفاقات العربيّة في موضوع المساواة بين الجنسين (المساواة "الجندريّة"). ولكنْ دعونا نتخيّل لو قامت محطةُ الجزيرة الإخباريّة مثلاً بإنتاج تقارير دوريّة عن النساء في الولايات المتحدة، مسلّطةً الضوءَ على المعدّل العالي للعنف ضدّهنّ عبر جرائم القتل والاغتصاب والعنف المنزليّ. وتخيّلوا لو أضافت تقاريرُ الجزيرة مثلاً برامجَ عن التمييز ضدّ النساء في الولايات المتحدة في سوق العمل، والمعدّل المنخفض لتمثيلهنّ السياسيّ، والتحرّش الجنسيّ الذي يتعرّضن له في مواقع العمل. وتخيّلوا لو حاولتْ تقاريرُ الجزيرة هذه توضيحَ الأسباب الكامنة وراء المعدّلات العالية لإصابة نساءٍ وفتياتٍ أمريكيّات بأمراض الپوليميا والأنوركْسيا (وهي عِللٌ تؤدّي بهنّ إلى تجويع أنفسهنّ ليحافظن على وزنهنّ المنخفض، أو إلى التقيّؤ الفوريّ بعد الأكل إنِ اضطُررن إليه) وعَزَتْ هذه الأمراضَ إلى بربريّة الثقافة الأمريكيّة ــ الأوروبيّة. أو تصوّروا لو أوضحتْ تقاريرُ الجزيرة المتخيّلة أنّ الراشدات في أمريكا وأوروبا لا يَخْترن تشويهَ أجسادهنّ بمعدّلاتٍ مذهلةٍ فحسب، بل إنّ هذا التشويه حقٌّ يحميه القانونُ، ولا يدينه المجتمعُ المدنيُّ، وتحثّ عليه وسائلُ الإعلام الغربيّة في برامَج تفيضُ بها الموجاتُ الهوائيّةُ وتمجِّد فيها تشويهَ أجساد النساء وتحرِّض عليها تحت لواء "العمليّات التجميليّة" و"الجمال الأنثويّ." أودّ التذكيرَ هنا، مرةً أخرى، بأنّ النقطة الأساس التي تستند إليها المنظّماتُ المحارِبةُ لختان النساء تقوم على أنّ المختونات ليس لهنّ خيارٌ في تشويه أجسادهنّ. فلماذا، إذنْ، لا تَشْعر هذه المنظّماتُ بالرعب حيال وضع هؤلاء؟! ولماذا لا نجد في التغطية الإعلاميّة تصويرًا مرعبًا لوضعٍ تختار فيه أعدادٌ هائلةٌ من النساء والمراهقات تشويهَ أجسادهنّ لتتماشى مع مقاييس ذكوريّةٍ عن جمال المرأة تهيمن على المجتمع؟ لو قامت محطّةُ الجزيرة فعلاً بإنتاج هذه التقارير على أساسٍ ثقافويّ وتقارنيّ، لاتُّهمتْ فورًا، وبحقّ، بالاختزاليّة.
ولنأخذْ مظهرًا آخر من التقارنيّة. فلو اهتمّ الباحثون والباحثات، الذين أَغرقوا السوقَ الأكاديميّةَ الغربيّةَ والعربيّة، بدراساتٍ عن موضوع الحجاب، بالصيغة اللباسيّة المُجَنْسَنة أو "المجندَرة" في الدول الغربيّة، وإنْ دلّت على عدم المساواة بين الجنسين وعلى اضطهاد المرأة، لاقتنعنا عندها بأنّ اهتمامهم بالمجتمعات العربيّة خالٍ من المركزيّة الأوروبيّة. وهذا لا يعني بالطبع غيابَ دراساتٍ وأبحاثٍ عن تغيير أنماط اللباس المجنسَن في الدول الغربيّة، أو أنّ الثورة اللباسيّة الجذريّة التي قامت في بعض هذه الدول في الستينيّات لم تؤرَّخْ، أو أنّ آثارها لم تُدرسْ. ولكنْ عندما يُبحَث في هذه المواضيع فعلاً فإننا لا نقرأ أنّ اللباس المجنسَن هو العامل السوسيولوجيّ والثقافيّ الأهمّ في عدم المساواة بين الجنسين أو في التمييز ضدّ النساء في الدول الغربيّة. وبينما تُربط المواقفُ المجتمعيّة إزاء اللباس النسائيّ في الدول العربيّة ببطريركيّةٍ عربيّةٍ أو مسلمةٍ متخيَّلة، فإنها لا تُقارَن بمواقف ونزعات مجتمعيّة غربيّة مشابهة. فمنذ أسابيع فقط، أَعلنتْ وزارةُ الداخليّة البريطانيّة عن استطلاع قامت به وكَشفتْ فيه أنّ واحدًا من كلّ سبعة أشخاص في المملكة المتحدة يعتقد أنّ النساء اللواتي يلبسن لباسًا كاشفًا ومثيرًا للغرائز يستحققن الضربَ من أزواجهنّ، وأنّ النساء اللواتي ينكِّدن على أزواجهنّ يستحققن أن يُصفعن على وجوههنّ. وأكّدت نتائجُ الاستطلاع أنّ “ربعَ الأشخاص [الذين شملهم الاستطلاع] يعتقدون أنّ ارتداء لباسٍ كاشفٍ ومثيرٍ يضع جزءًا من اللوم على المرأة إنْ تعرّضتْ للاغتصاب أو التحرّش الجنسيّ."3 وتُعزى عادةً هذه المشاعرُ والمعتقداتُ في الخطاب "الجندريّ" إلى المواقف "العربيّة" من لباس المرأة. ولكنْ، بغضّ النظر إنْ كان تحديدُ المواقف "العربيّة" من هذه المسألة عبر استطلاعاتٍ ودراساتٍ خاليًا من الأخطاء المنهجيّة أو حافلاً بها، فما أودّ التشديدَ عليه هو أنّ مقارنة الإخفاقات في الدول العربية والغربيّة معًا نادرُ الوجود في أبحاث "الجندر" ــ وهذا لا يعني أنها لا تُذكر في بعض الحالات النادرة، ولكنه يعني أنّ المقاربة المهيمنة تبقى مقاربةً ثقافويّةً وتقارنيّةً في ما يتعلّق بنجاحات الغرب وإخفاقات العرب.
3 ــ المقاربة الدمجيّة (أو الكونيّة) (Assimilationism): وهي غطاءٌ لتفوقيّة القيم الثقافيّة والاجتماعيّة الأوروبيّة والأمريكيّة البيضاء والمسيحيّة. ويرتبط هذا العاملُ، بالطبع، بالتقارنيّة والثقافويّة المذكورتيْن أعلاه، بل إنه يفترضهما أصلاً. فإذا كانت الثقافة العربيّة أو المسلمة، بعكس الثقافة الأوروبيّة والأمريكيّة، تُلام لعدم مساواتها بين الجنسين، فيجب عندها أن تتحوّل الثقافةُ العربيّة والمسلمة إلى قيم أوروبا وأمريكا وإنجازاتهما كي يمْكن التسامحُ معها. إنّ على الثقافة العربيّة والمسلمة، بحسب هذه النزعة، أن تُدمَج في النموذج الغربيّ الحديث للحقوق "الجندريّة" والمساواة، وإلا استمرّت في إنتاج الإخفاق تلو الإخفاق، و"ستُضطرّ" المنظّماتُ غيرُ الحكوميّة والأكاديميّة والإعلامُ الغربيّ إلى استخدام منهج التقارنيّة لتحليل إخفاقاتها المستمرّة. الدمجيّة تُقدَّم، إذنْ، على أنها الترياقُ لا لمشاكل عدم المساواة "الجندريّة" عند العرب فقط، بل أيضًا لكلّ مَن يتذمّر من أنّ العرب أو المسلمين يُحلَّلون عبر عدسةٍ ثقافويّةٍ وتقارنيّة. فإنْ دَمَجَ العربُ والمسلمون قيمَهم بالقيم الأوروبيّة فلن يُدرسوا عبر المناهج الثقافويّة والتقارنيّة، لأنهم سيصبحون عندها شأنهم شأن الأوروبيين ــ وهذا هو الهدفُ المعلنُ أصلاً وبصراحة لإيديولوجيا التنمويّة ولنظريّة التحديث التي تحملها وتحارب تحت لوائها المنظماتُ غيرُ الحكوميّة الغربيّة.
وهكذا فإنّ اتّباع واحدةٍ أو أكثر من هذه الإستراتيجيّات الثلاث (وهي بالفعل مترابطة إذ إنّ اتّباعَ إحداها يتضمّن اتّباعَ الأخرييْن) هو ما يجب ألاّ نفعلَه عند دراسة النوع الاجتماعيّ في العالم العربيّ. ذلك أنّ الأسئلة الثقافويّة والتقارنيّة والدمجيّة التي نسألها هي ما يُنتج الإجاباتِ التي تفترض هذه الأبحاثُ أنها موجودةٌ مسبّقًا وأنها مستقلّةٌ عن الأسئلة التي تنتجها أصلاً. لذلك فإنّ الإجابات الوحيدة التي تحظى بها هذه المقاربات هي الإجاباتُ التي تفترضها أصلاً؛ ذلك لأنها ليست إجاباتٍ موجودةً في المجتمع مسبّقًا بل ناجمةٌ عن مناهجِ وإپستمولوجيّةِ البحث ذاتها. وإنْ قمنا بأبحاث كهذه فلن نكون بصدد دراسة النوع الاجتماعيّ في العالم العربيّ، بل بصدد إنتاج إجاباتٍ جاهزةٍ قرَّرتْها أصلاً المناهجُ التي تزعم أنها اكتشفتْها.
***
أخيرًا، ليست هنالك حِيَلٌ لدراسة النوع الاجتماعيّ في العالم العربيّ. فإنْ درسنا العواملَ الاقتصاديّة والاجتماعيّة والجغرافيّة والتاريخيّة والثقافيّة على أنها كينونة ديناميكيّة متحرّكة تُنتِج وتُنتَج من قِبَل العوامل ذاتها، فسنستطيع عندها أن نبدأ بفهم وتحليل الظواهر الاجتماعيّة على أساس مناهج ومفاهيم يقرّرها السياقُ المحلّيّ ذاتُه، ولا تستبقُ نتائجََه أجنداتُ بحثٍ مرتبطةٌ بسياساتٍ إمبرياليّة مثل "التنمويّة" ومناهج استشراقيّة مثل "الثقافويّة" و"التقارنيّة" و"الدمجيّة." فإنْ لم نفْعل ذلك، فلن نكون بصدد دراسة النوع الاجتماعيّ في العالم العربيّ البتة، بل نكون بصدد دراسة الإستراتيجيّات المختلفة لتحويل العرب إلى أوروبيين ولإعادة بعث العالم العربيّ كصورةٍ طبق الأصل عن أوروبا الحديثة المتخيّلة.
القاهرة
* - أستاذ السياسة والفكر العربيّ الحديث في جامعة كولومبيا في نيويورك. يَصْدر له قريبًا عن دار الآداب تعريبٌ لكتابه المعنون: ديمومة المسألة الفلسطينيّة.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire